اليوم العالمي للعمل الإنساني: بعد ٢٣عاماً، العمل في العراق مستمر

في صباح التاسع عشر من آب عام ٢٠٠٣، هزّ انفجار شاحنة مفخخة فندق القناة في بغداد، مقر الأمم المتحدة في العراق. أسفر الهجوم عن مقتل اثنين وعشرين شخصاً، من بينهم سيرجيو فييرا دي ميلو، الممثل الخاص للأمم المتحدة في العراق، وإصابة أكثر من مئة آخرين. كان معظمهم من العاملين في المجال الإنساني: عمال إغاثة اختاروا البقاء وتقديم المساعدة، حتى في ظلّ النيران التي تشتعل من حولهم.
في وقت لاحق، خصّصت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم التاسع عشر من آب يومًا عالميًا للعمل الإنساني، تكريمًا سنويًا لهؤلاء النساء والرجال، ولجميع العاملين في المجال الإنساني الذين يخاطرون بحياتهم من أجل الآخرين.
بعد مرور ثلاثة وعشرين عامًا، اتخذ العراق مساراً نحو الاستقرار. اليوم، نستذكر ذلك الهجوم، ونؤكد مجددًا على أن القطاع الإنساني لا يزال يتمتع بأهمية قصوى.
مرحلة جديدة من العمل الإنساني
بعد انتهاء النزاع المسلح، دخل العمل الإنساني في العراق مرحلة جديدة. لم يعد هدفه الاستجابة الطارئة وحدها: بل تحوّل نحو تلبية الاحتياجات المتبقية للناس في جميع أنحاء الأراضي العراقية. والتحدي اليوم هو تحدي التعافي الدائم، لا الإنقاذ فقط.

لا يزال النازحون داخليًا والعائدون يواجهون احتياجات غير ملباة — المأوى، والغذاء، والرعاية الصحية، وسبل العيش، والوثائق القانونية — فيما تحتاج مجتمعاتهم الأصلية إلى الدعم لإستيعابهم. وقد عاد أكثر من ٤٫٩ مليون شخص إلى مناطقهم الأصلية، غير أن مئات الآلاف منهم عادوا إلى مناطق لا تزال ظروف المعيشة فيها قاسية. كما أدّت الأزمات في المنطقة إلى موجات نزوح إضافية، ما أبقى الطلب على الاستجابة الإنسانية قائمًا. وفي ظل هذا الواقع، تزداد الحاجة إلى نهج أكثر تركيزًا على التنمية لمعالجة الاحتياجات المتطورة للمواطنين العراقيين بما يتجاوز المساعدة الطارئة.

العمل حيث يكون الاصعب
في العراق، خدمة الآخرين تأتي بثمن. يجب على العاملين في المجال الإنساني أن يعملوا في مواجهة تهديدات أمنية محتملة وأعمال عدائية قد تعطل عملهم. كما تقيد قيود الحركة والظروف الجغرافية الصعبة وصولهم إلى الأماكن الأكثر احتياجًا للمساعدة.

كل واحد من هذه العوامل يشكل خطرًا يوميًا للعاملين في المجال الإنساني في جميع أنحاء العراق — وسبباً يذكرنا بأن هذا العمل يستحق الاعتراف والحماية معاً.
نستذكر الزملاء ال ٢٢ الذين فقدوا حياتهم في هذا اليوم — ونكرّم كل عامل إغاثة يواصل المهمة باسمهم.
قصةٌ وُلدت من ذات اليوم
في أعقاب الهجوم الذي استهدف مقر الأمم المتحدة في بغداد عام ٢٠٠٣، وما تلاه من استهداف للعاملين في الإغاثة الدولية، بدأت العديد من المنظمات الإنسانية بالانسحاب من العراق أو تقليص أنشطتها. وقد خلّف هذا الانسحاب فجوة عميقة في المشهد الإنساني — وذلك في الوقت الذي كانت فيه الاحتياجات الإنسانية في تزايد مستمر.

في خضم هذه الظروف، وُلدت جمعية أيادي الرحمة الإنسانية. في أواخر صيف عام ٢٠٠٤، بعد مرور عام واحد فقط على الهجوم، أسس الدكتور خلدون الموسوي الجمعية كمنظمة غير حكومية عراقية محلية، في خطوة تعكس العزيمة والإصرار اللذين يستجيبان للظروف التي نحيي ذكراها اليوم.
ما بدأ كمبادرة محلية صغيرة، نما ليصبح منظمة وطنية: ٢٢ عامًا من العمل المتواصل، ٢٩٨ مشروعًا معتمداً، وبرامج تصل إلى المجتمعات في خمس عشرة محافظة أو أكثر، تشمل مجالات المأوى والرعاية الصحية والتعليم وسبل العيش والمساعدة القانونية وبناء السلام.
لقد نفذنا عملنا جنباً إلى جنب مع المجتمعات المحلية نفسها، بما في ذلك العائلات النازحة داخلياً والعائدة، انطلاقاً من مبدأ أن المساعدات لا تعرف طائفة ولا جنساً ولا انتماءً سياسياً. كل برنامج ننفذه هو بمثابة إحياء هادئ للذكرى: فالمهمة التي بدأت في أنقاض بغداد لا تزال مستمرة، مجتمعاً تلو الآخر.
في هذا اليوم العالمي للعمل الإنساني، نُحيي ذكرى أرواح الـ ٢٢ الذين فقدوا حياتهم في بغداد، وكلّ من يعمل في المجال الإنساني ويواصل عمله، بمن فيهم العراقيون الذين بقوا وبنوا ولم يغادروا قط. ومضياً في المستقبل، نبقى ملتزمين بتعزيز جهودنا — من أجل عراق مرن وسلمي ومستدام.

المصادر
الأمم المتحدة – اليوم الإنساني العالمي (un.org/en/observances/world-humanitarian-day).
المفوضية السامية لحقوق الإنسان – النصب التذكاري: العراق ٢٠٠٣ (ohchr.org).
أخبار الأمم المتحدة – غوتيريش يؤكد أن الأمم المتحدة لن تنسى موظفيها الذين قُتلوا في هجوم بغداد (news.un.org).
المنظمة الدولية للهجرة – خطة الاستجابة لأزمة العراق ٢٠٢٦ (crisisresponse.iom.int).



تعليقات