اليوم الدولي للشعوب الأصلية في العالم: تكريم المجتمعات العراقية القديمة وحماية مستقبلها
- Public Relations Dept.

- قبل ساعة واحدة
- 4 دقيقة قراءة

في التاسع من أغسطس من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للشعوب الأصلية، وهو يوم مخصص للاعتراف بتاريخ وثقافات ومعارف وحقوق مجتمعات الشعوب الأصلية في جميع أنحاء العالم. وقد أقرت الأمم المتحدة هذا اليوم إحياءً لذكرى الاجتماع الأول لفريق الأمم المتحدة العامل المعني بالسكان الأصليين عام ١٩٨٢، وهو بمثابة تذكير بأن الشعوب الأصلية لا تزال تواجه تحديات جسيمة رغم إسهاماتها القيّمة للبشرية.
يُقدّر عدد الشعوب الأصلية اليوم بنحو ٤٧٦ مليون نسمة يعيشون في ٩٠ دولة. ورغم أنهم يمثلون أقل من ٦٪ من سكان العالم، إلا أنهم يشكلون حوالي ١٥٪ من الذين يعيشون في فقر مدقع. ويتحدثون غالبية لغات العالم التي تُقدّر بنحو ٧٠٠٠ لغة، ويمثلون حوالي ٥٠٠٠ ثقافة متميزة، ويحافظون على المعارف واللغات والتقاليد وأنماط الحياة التي توارثوها عبر الأجيال. وتربط الشعوب الأصلية علاقة فريدة بأراضي أجدادها وبيئتها الطبيعية. لطالما اضطلعت المجتمعات الأصلية بدور حامية النظم البيئية على مرّ القرون، فحافظت على التنوع البيولوجي وعززت أنماط الحياة المستدامة قبل أن يصبح الحفاظ على البيئة أولوية عالمية. ومع ذلك، ورغم هذه المساهمات، لا تزال المجتمعات الأصلية من بين أكثر الفئات السكانية تهميشًا في العالم، حيث لا يزال الكثيرون يعانون من التمييز والتهجير والفقر ومحدودية الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية، فضلًا عن انتهاكات حقوقهم الثقافية والاجتماعية والسياسية.
التراث الأصيل للعراق
تزخر العراق بتنوعٍ ملحوظٍ من الشعوب والثقافات والأديان والجماعات العرقية، التي تُشكّل مجتمعةً هوية البلاد التاريخية الغنية. ومن بين هذه الجماعات، مجتمعاتٌ أصليةٌ تعود جذورها في بلاد ما بين النهرين إلى آلاف السنين. ويُصنّف العديد من الباحثين الآشوريين، باعتبارهم من نسل الحضارة الآشورية القديمة، كأحد أكبر المجتمعات الأصلية في البلاد. وقد صمدت هويتهم رغم قرونٍ من الصراع والتهجير القسري والاضطهاد ومحاولات طمس تراثهم الثقافي.

يتجاوز الفهم الحديث للشعوب الأصلية مجرد الوجود التاريخي، ليشمل خصائص مثل الاستمرارية التاريخية مع المجتمعات الأصلية، والروابط الوثيقة بالأراضي التقليدية والموارد الطبيعية، واللغات والثقافات المتميزة، والتعريف الذاتي بالشعوب الأصلية، والعزم على الحفاظ على هويتهم للأجيال القادمة. ويرى كثيرون في المجتمع الآشوري أن هذه الخصائص تعكس تاريخهم وهويتهم، ويواصلون المطالبة باعتراف أكبر بوضعهم كشعوب أصلية من خلال منصات دولية مثل منتدى الأمم المتحدة الدائم المعني بقضايا الشعوب الأصلية. وإلى جانب الآشوريين، يضم العراق أيضاً أقليات أخرى، منها الإيزيديون، الذين تشكل هويتهم الدينية والثقافية الفريدة جزءاً هاماً من النسيج الاجتماعي العراقي. ويظل حماية حقوق وتراث جميع الأقليات أمراً أساسياً لبناء مجتمع سلمي وشامل.
الأثر الدائم للصراع
في العقود الأخيرة، عانت المجتمعات الأصلية والأقليات في العراق من دوامات متكررة من العنف والتهجير. وشكّل صعود تنظيم داعش عام ٢٠١٤ أحد أحلك فصول التاريخ الحديث. فقد اقتُلعت مجتمعات بأكملها من جذورها، وأُجبرت آلاف العائلات على الفرار من ديارها، بينما عانى الرجال والنساء والأطفال من القتل والاختطاف وانتهاكات جسيمة أخرى لحقوق الإنسان. وقد أقرّ العالم بحقّ بالإبادة الجماعية التي ارتُكبت بحقّ الإيزيديين، ما لفت انتباه المجتمع الدولي إلى المعاناة الهائلة التي تكبّدها مجتمعهم. كما تكبّدت المجتمعات الآشورية خسائر فادحة. فإلى جانب التهجير القسري، شهدت تدمير الكنائس والأديرة والمواقع الأثرية القديمة وتراث ثقافي لا يُقدّر بثمن. وقد دُمّرت معالم تاريخية مثل مدينة نمرود القديمة، وأجزاء من الحضر، وكنائس تكريت، وعدد لا يُحصى من القطع الأثرية الآشورية في الموصل، عمدًا في محاولة لطمس قرون من التاريخ والهوية. كل معلم مُدمّر يُمثّل ذكريات ضائعة وتقاليد مُنقطعة.
الاعتراف يجب أن يتحول إلى عمل
إن الاعتراف بالمجتمعات الأصلية ليس سوى الخطوة الأولى. ويتطلب الإدماج الهادف اتخاذ إجراءات تحمي حقوقهم، وتحافظ على ثقافاتهم، وتضمن المساواة في الوصول إلى الفرص والخدمات. في جميع أنحاء العالم، تلعب الحكومات ومنظمات المجتمع المدني والجهات الفاعلة الإنسانية والمؤسسات القانونية دورًا مهمًا. إن الحماية القانونية الأقوى، والدفاع عن حقوق السكان الأصليين، وتوفير الخدمات العامة التي يمكن الوصول إليها، وسياسات التنمية الشاملة ضرورية لضمان عدم تخلف الشعوب الأصلية عن الركب. إن التقدم الحقيقي يأتي من الدفاع عن المجتمعات ضد التمييز، وحماية أراضي الأجداد والتراث الثقافي، وتعزيز المشاركة المتساوية في صنع القرار، وضمان قدرة السكان الضعفاء على الوصول إلى العدالة والدعم. لا تزال الجهود المبذولة اليوم صغيرة مقارنة بالأجيال التي تحملت فيها الشعوب الأصلية القدرة على الصمود.

التزام جمعية أيادي الرحمة
في جمعية ايادي الرحمة، نؤمن بأن لكل فرد الحق في الكرامة والحماية وتكافؤ الفرص، بغض النظر عن عرقه أو دينه أو لغته أو جنسه أو خلفيته. ينطلق عملنا من إيماننا بأن التنوع قوة لا عائق. في جميع أنحاء العراق، نسعى جاهدين لإزالة العقبات التي تحول دون حصول المجتمعات الضعيفة على التعليم والرعاية الصحية وسبل العيش والمساعدات الإنسانية وفرص التنمية المستدامة. نلتزم بخدمة الناس بناءً على احتياجاتهم فقط، مع تعزيز التعايش السلمي بين مختلف فئات المجتمع العراقي. سواء أكان ذلك بدعم الأسر النازحة بسبب النزاعات، أو تمكين النساء والشباب، أو تحسين فرص الحصول على التعليم، أو تعزيز صمود المجتمعات، فإن مهمتنا هي ضمان عدم استبعاد أي شخص بسبب هويته.
إن بناء سلام دائم يتطلب أكثر من مجرد الاستجابة لحالات الطوارئ، فهو يتطلب تهيئة بيئات تُمكّن مختلف المجتمعات من العمل معًا، وتُحترم فيها التنوعات الثقافية.

في هذا اليوم الدولي للشعوب الأصلية في العالم، نُشيد بصمود وإسهامات مجتمعات الشعوب الأصلية في العراق وحول العالم. تُشكّل لغاتهم وتقاليدهم ومعارفهم وثقافاتهم جزءًا لا يُعوّض من تراثنا الإنساني المشترك. وحمايتها تعني بناء مستقبل قائم على المساواة والشمول والعدالة والسلام. في جمعية أيادي الرحمة، نلتزم بدعم الفئات الأكثر ضعفًا، وتذليل العقبات أمام الاندماج، وتعزيز مجتمعات تُحتفى فيها بالتنوع، ويعيش فيها كل إنسان بكرامة وأمل.

تعليقات